الشيخ محمد الصادقي الطهراني
26
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
في التخلف عن وحي الشعور ليس إلا في حاضر الشعور ، ثم أعلى منه في الفطرة ، فأعلى في العقل ، كذلك الأعلى تخلفا عن وحي الشريعة في العصيانات العادية ، ثم التخلف القمة في الأولى قبل الأخرى عذاب الاستئصال والتدمير ، وليس الا في حاضر الرسالة . للقاعدة العقلية « قبح العقاب بلا بيان » الشاملة له ولما قبله . فلا تعني « حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » إلا بيان الرسالة ببلاغها ، إن للمترفين الطاغين فعذاب الاستئصال هنا أم للناس أجمعين فعذاب في الأخرى ، وإن كان القدر المتيقن هو الأولى وفي هامشه الأخرى ، ثم العصيان في أية رسالة من الرسالات الخمس يخلف وجوب العقاب إذا كان ظلما وتعديا على الخلق أيا كان ، أو جوازه إذا كان تقصيرا بحق الخالق دون خلقه ، ولم يكن في تركه تسوية ظالمة بين المطيع والعاصي ، فالسماح عن بعض المعاصي هو قضية الفضل والرحمة الواسعة كما في المستضعفين « إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لايَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلايَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً » ( 4 : 99 ) هذا السماح ليس ظلما وتسوية ، واما السماح عن اي ظلم بالنسبة للخلق دونما أيمقابل فهو ظلم بعيد عن ساحة العدل الرباني . و « حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » تعني الرسالة البالغة إلى المكلفين بأحد شطريها ، ثم الثلاث الأخرى كذلك البالغة إلى مكلفيها ، ففي كل رسالة بالغة على حدها حجة ، وفي التخلف عنها جواز أو وجوب العذاب ، من دنيوي بسيط إلى برزخي بمراتبه ، إلى أخروي كذلك ، والى عذاب الاستئصال في الدنيا إضافة إلى الأخرى . ثم وبعث الرسول يحمل أمرين : بلوغ المرسل إليهم وبلاغ الرسالة ، حيث الرسالة إلى غير البالغ قاصرة المفعول ، والرسالة غير البالغة إلى البالغين ليست رسالة ، وكما للبلوغ درجات كذلك للرسالة إلى البالغين درجات ، والثواب والعقاب يقدران على قدر الدرجات : « وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ » ( 6 : 19 ) : بلغ هو وبلغته الرسالة .